أكثر من مجرّد شجرة”في فرضيات اللاَّتسامح” | عبدالله الحميدي

يصف لوكلير فكرة التّسامح في أوروبا بأنّها ولدت من رحم الصراع السّياسي والطَّائفي أكثر من كونها نتاج تأمل نظري صرف، فخيار التّسامح كان خيارا سياسيّا في الأساس قبل أن يكون خيارا أخلاقيّا وفكريّا، في وقت كان الجميع في القرن السّابع والثّامن عشر منهكا بسبب الحروب الدينيّة والطّائفيّة. فالتعدديّة الدينيّة والمذهبيّة الهائلة الّتي بدت تتكاثر بشكل كبير وواضح منذ الإصلاح الدينيّ في القرن السّادس عشر قد واجهت معضلة في إيجاد صيغه للتّعايش مع الآخر المختلف – دينيا –. كان ومن ثمّ كان التّسامح قائما على عدم القدرة على فرض الانسجام الدينيّ أكثر منه على القبول بالتعدديّة الدينيّة.

مع ذلك ومن وجهة نظر دينيّة وسياسة استمر النّظر إلى مفهوم التعدديّة الدينيّة ومن ثمّ التّسامح كتهديد لكل من الدّين والسّياسة على السَّواء. فكانت قرارات التّسامح الديني آنذاك جزء لا يتجزأ من سياسة “استراتيجيّة طويلة الأمد لاستعادة الوحدة الدينيّة” 1 فبالنسبة للدّين كان القبول بالتعدديّة الدينيّة يعتبر خيانة للدّين ذاته. لذا كان من المفهوم أن تكون النّزعة التّسامحيّة الّتي بدت عند كبار المصلحين في التيّار الإنسانوي قد استمرت في النّظر إلى الاختلاف بوصفه خطيئة، غير أنّها خطيئة لا بدّ منها، مقارنة بالبديل الأخر المتمثل في استمراريّة النّزاعات والحروب. ومن ثمّ سعيها لحلّ معضلة الاختلاف – المذهبي – هذا منصبا في توسعة مفهوم الدّين ليشمل جميع الفرق المختلفة من خلال إيجاد أساس ديني مشترك يسع تلك التعدديّة الدينيّة والطوائفيّة، وهي المحاولة الّتي نظر إليها البعض على أنّها مجرّد تفريغ للدّين -المسيحيّة- من مضامينه الأساسيّة، لصالح تحقيق الوحدة الدينيّة2. مع ذلك استمرّ النّظر إلى مفهوم التّسامح كمصطلح ذي دلالات سلبيّة عند كثيرين حتّى بين أولئك الّذين كانوا يروجون له. إلّا أنّه وفي أواخر القرن السّابع عشر بدا المصطلح يأخذ دلالاته الإيجابيّة بالتّحديد عند كلّ من بيير بايل ولوك وفولتير من خلال كتاباتهم حول التّسامح. وخصوصا عند بايل والّذي كتب في العام 1686 كتابه ” تعليق فلسفي حول كلمات السّيد المسيح “أرغمهم على الدُّخول”3 حيث كان من أوائل الكتابات في اللّغة الفرنسيّة -على الأقل- والّتي تناولت مفهوم التّسامح حول الاختلاف الدّيني بشكل أكثر إيجابيّة. وهي المقاربة الّتي ستجد صداها عند جون لوك في “رسالة حول التّسامح” 1689 وفولتير ” رسالة حول التّسامح بمناسبة مقتل جان كالاس” 1763.

أمّا بالنسبة للسّياسة فقد كانت تقوم في مجملها على المماهاة ما بين الوحدة الدينيّة والسياسيّة. فلم يكن الأفق السّياسي قادرا حتّى ذلك الحين أن يتصوّر ذاته من دون هويّة دينيّة واحدة. ومن ثمّ لم تكن التعدديّة الدينيّة شأنا فرديًّا أو ميتافيزيقيًّا فحسب، بل كانت تحمل في طياتها تهديدا جديًّا لوحدة الدولة. فكان الحفاظ على هذه الوحدة الدينيّة عملا يقع في صميم السّياسة. فالخلاف الدّيني كان صيغة أخرى للخلاف السّياسي، من ثمّ كان الحلّ قائما على أساس الوحدة الدينيّة والسّياسيّة “دين واحد، ملك واحد”. وهي الصّيغة الّتي تمَّت ترجمتها في معاهدة أوغسبورغ 1555 *4 ، الأمر الّذي يفسّر كيف كان تسيس الدّين أمرا لا مفرّ منه في ظلّ تصوّر سائد من أنّ السّلام المدني غير ممكن التّحقق إلاّ في ظلّ فرض ديانة واحدة لكلّ الدولة، بيد أنّ العبء السّياسي والديني لتسيس الدينيّ كان ثقيلا بالنسبة لكثيرين، ما جعل التّطلع إلى صيغة للتّعايش والتّسامح أمرا ملحا.

كانت يوتوبيا توماس مور ( 1478- 1535 ) أحد أهمّ الأعمال الأدبيّة والفلسفيّة الّتي عكست هذا التّوق إلى التَّسامح في ظلّ مجتمع ذا تعدديّة دينيّة ومذهبيّة، وهي ككلّ يوتوبيا تعكس فشل الواقعيّ والتّاريخيّ عن أن يلبي الطُّموح الإنساني المنشود. ومن ثمّ كانت تتضمّن نقدا ضمنيّا لهذا الواقع وتعريته وفضحه من خلال إبراز نقيضه. فلم تكن الحريّة الدينيّة الّتي يتمتّع بها سكان يوتوبيا عند مور مجرّد حل لابدّ منه لحسم الخلافات والنّزاعات الّتي كانت سائدة فيما بينهم “إذ يكفل القانون لكلّ شخص حريّة اعتناق الدين الّذي يريده، ويُسمح له بدعوة الآخرين إلى دينه، بشرط أن يؤيّد الدّعوة بالمنطق بهدوء ووداعه، وألاّ يهاجم الأديان الأخرى بمرارة إذا لم تنجح حججه، وألاّ يستخدم العنف، ويمتنع عن السّب، فإذا ما عبّر عن آرائه بعنف وحماس متطرّف، عوقب بالنّفي أو بأن يصبح عبداً” 5 بل ثمّة أبعاد دينيّة لذلك التّسامح الدينيّ تتجاوز الاعتبارات السياسيّة،. فلو لم يكن “الله يريد أنواعاً كثيرة ومختلفة من العبادة” لما أوحى للشّعوب المختلفة بآراء مختلفة. 6

تجدر الإشارة هذه الطموح للتّسامح الديني لم يكن مستحيلا، إذ بدت الإمبراطوريّة العثمانيّة مثالا على تحقق يوتوبيا التّسامح هذه. إذ دائما ما تتمّ الإشارة إليها كدليل على إمكانيّة التّعايش الدينيّ في ظلّ سلطة زمنيّة واحدة.7. حيث كانت بمثابة التّحقق الواقعيّ والتاريخيّ ليوتيوبيات للفكر الغربيّ آنذاك.

II

تُطرح مسألة التّسامح على الأغلب كانعكاس ما بين تعارض إرادات ومصالح مّا، ما بين الأغلبيّة والأقليّة. إذ يتمّ استحضارها كحلّ وتسوية ما بين اختلاف المصالح تلك. وبسبب الثّقل الاجتماعيّ والدينيّ والسياسيّ للأغلبيّة فإنّ التّسامح يبدو أحيانا وكأنّه هبة من طرف الأغلبيّة للأقليّة الّتي غالبا ما يبدو التّسامح مطلبا أساسيّا بالنّسبة لها. غير أنّه في كثير من الأحيان يصبح ضرورة سياسيّة في المقام الأوَّل لتحقيق نوع من السّلام الدَّاخلي.

في ديسمبر من عام 2016 حدث أن قام بعض نوّاب مجلس الأمّة الكويتي باستنكار وضع شجرة الميلاد في أحد المجمعات التجاريّة، الأمر الّذي تمّ على أساسه إزالتها،8 نفس الموضوع حدث في مصر من خلال قيام بعض الأشخاص بتخريب شجرة عيد الميلاد في أحد المجمَّعات. وعلى الرَّغم ممّا كون هذه الأمثلة هامشية مقارنة بالأمثلة الكبرى والّتي يتمّ غالبا من خلالها مقاربة موضع التّسامح كالحروب الأهليّة والاضطهادات الّتي تتعرّض لها بعض الأقلّيات على سبيل المثال، بيد أنّها رغم هامشيتها تضعنا أمام التّسامح “في إطار الممارسة اليوميّة” فضلا عن كونها تمثّل ما يمكن اعتباره بذورا غير مرئيّة غالبا للعديد أحداث العنف الكبرى، ومن ثمّ يبدو مناسبا تناولها من أجل إثارة تساؤلات عديدة حول التّسامح والحريّة الدينيّة.

لا تكمن الإشكاليّة في الحدث ذاته بقدر ما تكمن في المبدأ الّذي تمّ على أساسه إزالة شجرة الميلاد وهو يفتح الباب أمام مناقشات أوسع بكثير من إزالة شجرة في سوق تجاريّ. ينطلق هذا المبدأ من ثلاث مسلّمات كلّها حسب رأيي تحكم أغلب المنطلقات الأساسيّة لخطاب عدم التّسامح فضلا عن كونها تتناقض مع مفاهيم أساسيّة لفكرة المجتمع المدنيّ:

تنطلق الفرضيّة الأولى من افتراض أنّ الأغلبيّة تمتلك الحقّ في فرض ما تراه مناسبا في المجال العام. ما يعني مطالبة الأغلبيّة باحتكار المجال العام، وتحديد ما هو مناسب وغير مناسب على أساس كونها تمثّل رغبات الأكثريّة حول موضوعات معيّنة. وبالتّالي فإنّ هذه “الأكثرية” يحقّ لها – حسب هذا المفهوم – أن تستخدم القوّة في فرض وتحديد المجال العام، لا يقتصر مصطلح (القوّة) هنا بالضّرورة الإحالة إلى المعنى المادي للقوّة – الاعتداء الجسدي، النّفي، الحبس – بل يحيل أحيانا إلى استخدام أشكال أخرى كممارسة الضّغط السّياسي من خلال الهيئات التشريعيّة من أجل القيام فيما تعجز الأغلبيّة عن القيام به في ظلّ مفهوم الدولة كجهاز يحتكر العنف، من أجل الضّغط عليها لتغيير ما تراه الأغلبيّة موضوعا غير لائق. من المهمّ ملاحظة أنّ هذا الإلزام يأتي مناقضا لمبدأ النّقاش العقلانيّ الحرّ. فالأغلبيّة حينما تعمد إلى فرض رأيها بالقوّة فإنّها ترى في التّداول العقلانيّ في حلّ الخلافات مجرّد “ترف” يغني عنه الثّقل الأيديولوجي والديني أو السّياسي لها. فضلا عن أنّ اللّجوء للحوار العقلانيّ يستلزم التّخلي -نظريا على الأقلّ- عن استخدام تلك السُّلط لصالح الاعتراف بالنديّة في المجال العام. بالتّالي يصبح فرض الرّأي من خلال الإلزام خياراً أقلّ كلفة بالنسبة للأغلبيّة من وضع “موضوعات الخلاف” رهنا للنّقاش العام. في حين يبدو التّخلي عن هذا المبدأ واللّجوء إلى خيار النّقاش العقلانيّ الحرّ يشبه التّخلي “مكسب مضمون”. والتّخلي عن فرصة سيادة ” مجانيّة”.

يظهر أنّ مفهوم امتلاك القوّة، هو ما يستبطن المبدأ الّذي تنطلق منه أي أكثريّة في فرض رأيها. إلاّ أنّ نفس هذا المبدأ يتيح لأيّ جهة تمتلك القوّة أن تفرض رأيها بنفس الطَّريقة. كما لاحظ ذلك “مل”. حتّى لو كانت هذه الجهة في موقع “أقليّة”.

يدرك أصحاب هذا الرّأي أنّ وضع ” الخلاف ” رهنا للنّقاش العام ينطوي في أغلب الأحيان على جعل الحسم في هذا الموضوعات -إن كان ثمّة حسم كامل- يستغرق زمنا طويلا. ومن ثمّ الاعتراف بإمكانيّة وجود أكثر من رأي حول موضوع واحد. والامتناع عن فرض الرّأي بالقوّة.

الفرضيّة الثّانية الّتي تستبطن فكرة المنع تتعلّق بالرّبط بين كلّ من فكرة السّماح والرّضى، واعتبار أنّ الأوَّل يتضمّن الثّاني. حيث أنّ السّماح بفعل معيّن يعني تبني وقبول الفعل الّذي تمّ التّسامح معه. كانت هذه المسلمة في الواقع قد حكمت جلّ المواقف الّتي بدت رافضة للتّسامح والتّعايش الدينيّ. فقد كان الموقف اللاّتسامحي ينطلق في إطار نقده لنزعة التّسامح هذه من فكرة مفادها أنّ ثمّة تناقضا ما بين رفض موقف فكريّ أو عمليّ معيّن وما بين العمل على السّماح له بالوجود وربّما الانتشار. ومن ثمّ يبدو التّسامح وكأنّه خيانة للدّين والمعتقد.

غير أنّ التّسامح إزاء بعض المواقف الّتي يتمّ اعتبارها خاطئة لا يعني بالضّرورة قبولها واعتباره صائبة بل كلّ ما في الأمر هو الإقرار بحقّها في الوجود بشرط ألاّ يكون في وجودها تهديدا فعليّا على الآخرين ومن ثمّ كان لا بدّ في الواقع من فكّ العلاقة ما بين كلّ من السّماح والرّضى وذلك من خلال تبرير مقاربة أخرى وهي مقاربة أنّ التّسامح لا يعني بالضّرورة الرّضى بل يتضمّن “رفضا” لكنّه رفض من نوع معيّن.

فإذا كان صحيحا القول أنّ مفهوم التّسامح لا يمكن التّفكير فيه إلاّ في سياق “خلاف”، فإنّ السّعي لإزالة ” الخلاف” يقتضي موقفا سلبيّا إزاء ” التّسامح”، خاصّة إذا ما تمّ بالقوّة. فلا تسامح من غير وجود خلاف. إذ يبدو كشرط مسبق لإمكانيّة أيّ تفكير في التّسامح. إلى حدّ يمكن الزّعم معه بأنّ تاريخ التّسامح نفسه كان تاريخ “خلاف” بامتياز. حيث بدا التّسامح كأحد الحلول الأكثر معقوليّة إزاء الحيلولة دون أن يتحوّل الخلاف -وكان قد تحوّل بالفعل- إلى صراع سياسيّ ودينيّ دمويّ وسم شطرا كبيرا من التّاريخ الأوروبيّ على وجه الخصوص. بناء على ذلك يصحّ القول أيضا أنّ فكرة ” الخلاف” هي الأخرى تتضمّن وجود “رفض”. إذ من غير الممكن التّفكير في وجود خلاف حول موضوع مّا، دون أن يتضمّن ذلك وجود “رفض”، وإلّا لم يتأتى وجود “خلاف” أصلا.

إلاّ أنّ فكرة الرّفض الّتي يتضمّنها خطاب التّسامح تختلف عنها في خطاب اللاّتسامح. بحيث لا تعبّر عن نفسها إلاّ في سياق النّقد والنّقاش الفكريّ العام. الأمر الّذي يجعل من القيود الّتي تحكم توجهات وآراء الأفراد ليست سوى تلك القيود الّتي يفرضها الأفراد على أنفسهم. الأمر الّذي يستبعد كلّ إمكانية لإلزام الآخرين بالقوّة. في حين تبدو المقاربة الّتي ينتهجها الموقف المناهض للتّسامح تنطوي على الرّبط بين فكرة الخلاف وبين فكرة الرّفض باستعمال القوّة -بالمعنى العام- لإزالة أو منع ما يعتبر خاطئا. حيث يكون الموقف الوحيد إزاء الأفعال الّتي يتمّ اعتبارها خاطئة هو العمل على استئصالها بالقوّة.

الفرضيّة الثّالثة الّتي تستبطن فكرة المنع هي فرضيّة إبيستيمولوجيّة*9. تنطلق هذه المقاربة من فكرة مفادها الاعتقاد بأنّ امتلاك الحقيقة في موضوع معيّن يفضي إلى وجوب فرضها على الآخرين. فهي يقوم على الاستنتاج التّالي صحة فكرة معيّنة تستلزم فرضها.

فإذا كان “س” يعتقد بأنّ “أ” فكرة صحيحة فذلك يعني أنّ “س” يجب أن يجبر “ب” على قبولها. بالرّغم من عدم وجود رابطة منطقيّة ما بين امتلاك الحقيقة والتيقن التّام منها، وما بين إجبار أو إلزام الآخرين على اعتناقها. بحيث يبدو أنّنا أمام قفزة منطقيّة واضحة من فكرة امتلاك اليقين وبين فكرة إلزام الآخرين بها، بيد أنّ الشّواهد التّاريخيّة تأتي لتؤكّد على النّقيض من ذلك، من حيث أنّ أولئك الّذين يدعون امتلاك الحقيقة المطلقة علماء كانوا أم عقائديين إنّما يفتحون الباب على مصراعيه أمام مآسي بشريّة، إلّا أنّنا نجد أنفسنا ملزمين بتفسير هذه القفزة المنطقيّة، ولماذا كان اليقين مرادفا في كثير من الأحيان للاضطهاد، وابتعادا عن التّسامح، وما الّذي يجعل الانتقال من اليقين إلى التّعصب ممكنا بهذه السهولة. إلى حدّ اعتبار ادعاء اليقين خطرا بحدّ ذاتهً؟9

ربّما كان في عدم قدرة الموقف اليقيني بموثوقيته المطلقة على خلق فضاء جديّ من الحوار والنّقاش. هو ما يفسّر النّظرة السلبيّة للاختلاف، وهو ما تشير إليه أيضا الكتابات حول تاريخ الاختلاف حيث ظلّ ينظر إليه على الدّوام وحتّى وقت طويل بكونه مشكلة سياسيّة ودينيّة، إذ يبدو الآخر على الدّوام مصدر خطر بالنّسبة للموقف اليقينيّ -أيًّا كانت تمثلاته، دينيّة كانت أم سياسيّة أم ثقافيّة-. ومن ثمّ فإنّ وجود الآخر المختلف، يمثّل بحدّ ذاته مصدرا مستمرّا لطرح الأسئلة، الأمر الّذي يبدو كتهديد لأيّ موقف يقينيّ. فالآخر يحيل دائما على وجود”اختلاف”، بحيث يمكن القول إنّ سؤال “الاختلاف” هو ما يثيره وجود “آخر”.

فمكمن الخطورة في “اليقين” هو هذا الفضاء المغلق الّذي يجعل منه محصنا ضدّ أي فكرة أخرى مخالفة، هو ضمير متوحّد، لا يمكنه أو التّواصل مع الآخر. فهو قادر على سبيل المثال على تجاوز كلّ الاعتراضات الأخلاقيّة. ودون أن يقف للنّظر إلى الوراء، إنّه يشبه ما أطلق عليه ماركيوز “الضّمير السّعيد” 10 وإذا كان مصدر السّعادة لهذا الضّمير حسب ماركيوز يكمن في أنّ كلّ ما هو واقعي عقلاني بالضّرورة، وإذا كان هذا الواقع الّذي يتناوله ماركيوز بالنّقد هو تلك النّزعة العقلانيّة والبيروقراطيّة المفرطة. فإنّ واقع الضّمير السّعيد في خطابات اللاّتسامح هو الأيديولوجيا السّائدة. إنّ اليقين المتعالي لها وحصانتها ضدّ النّقد هي ما تجعل منها أمرا مرعبا، خصوصا عندما تتّخذ طابعا عنيفا. هذا الضّمير السّعيد هو من يكفل ليلة هادئة لشخص بعد قضاء يوم كامل قتل أو تعذيب العديد من الأبرياء، إنّه يشبه ضمير تلك العجوز الّتي قدّمت حزمة من الحطب للنيران الّتي كانت تلتهم في حينها المصلح واللاهوتي التشيكي جيروم أوف براغ (1379-1416) 11 بسبب أنّ سلطة الضّمير الأخلاقيّ عند هذا الشّخص قد أصبحت مرتهنة لمقولات وأفكار يقينيّة غير قابلة للنّقض، بل وليس ثمّة مجال لنقدها.

فالبساطة والوضوح الّتي تسم فكــرة ” اليقين” تجعل من غير الممكن طرح مسألة احتماليّة أن نكون على خطأ، ومن ثمّ فإنّها تقطع الطّريق على أيّ محاولة تواصليّة حقيقيّة مع الآخر إذ أنّ هذه التواصليّة تفقد قيمتها بمجرّد عدم تبنّي فرضيّة احتماليّة الخطأ هذه، إذ أنّ التّساؤل حول مدى مصداقيّة رأي معيّن يعدّ ضمانة لاتّخاذ احتياطات كافية، ربّما، قبل وضعه موضوع التّنفيذ. ثمّة أمر آخر يترتب على خاصيّة “الوضوح”، فهذه الخاصيّة الكامن في كلّ نزعة يقينيّة هي ما يعطي لفكرة الإلزام هذه ثقلها، بحيث تفرض على معتنقها ما يشبه أن يكون واجبا أخلاقيّا يتمثّل في “إلزام” الشّخص فرض ما يعتبره يقينيّا على الآخرين، بحيث يفضي تجاهله إلى ما يشبه أن يكون “أزمة ضمير” بالنّسبة للشَّخص. 12

وعليه كانت القدرة على الشّك وطرح الأسئلة ترياقا للخطر الّذي يمثّله اليقين المعرفي، وهذا ما حدا باللاّهوتي الأنسني الفرنسي سباستيان كاستيليون 1515-1563 أن يقدّم مبرّرات مهمّة للشّك ” فالآفات النّاجمة عن عدم الشّك لا تقلّ سوءا عن تلك النّاجمة عن عدم الإيمان حيث يجب الإيمان… ولو عرف الإسرائيليون الشّك لما قتلوا هذا العدد الكبير من الأنبياء والرّجال القديسين”13، ففضيلة الشّك هذه هي ما حاول خطاب التّسامح ولا زال وعلى الأخصّ في القرن الثّامن عشر والتّاسع عشر إعادة إنتاج نفسه على أسس إبيستيمولوجيّة، من خلال ملاحظة أنّ قصور المعرفة البشريّة وعدم قدرتها على الوصول إلى الكلمة النهائيّة في شتّى موضوعات المعرفة يقتضي التّسامح مع الاختلافات النّاتجة عن هذا القصور البشريّ. فضلا عن أنّ التّعدديَّة في الآراء الّتي يتيحها التّسامح توفّر الفرصة لتطوير المعرفة وتفادي ما يلحق بها من قصور. بيد أنّه إذا كان الشّك فضيلة “أخلاقيّة” عند كاستليون ودعاة التّسامح في القرن السّادس والسّابع عشر، فإنّه سيصبح منذ القرن الثّامن عشر فضيلة “علميّة”، خصوصا بعد الفتوحات العلميّة الكبيرة الّتي رافقت انهيار النّماذج العلميّة والفلسفيّة القديمة والّتي كانت بمثابة السّلطة المرجعيّة الوحيدة، ذات القول الفصل في أيّ موضوع من موضوعات المعرفة. إذ جعلت هذه الهزّة الإبستيمولوجيّة الذّهن البشري أكثر حذرا في الادعاء باليقين المطلق. لتصل زعزعة اليقينيات هذه ذروتها في القرن العشرين حسب بروفنسكي 14.

كان التّأسيس للتّسامح الأخلاقيّ وفق هذا المنطلق يتمّ من خلال ملاحظة الفرق بين المعرفة العلميّة والمعرفة الأخلاقيّة والإنسانيّة على وجه العموم. فما يميّز المعرفة العلميّة هو كونها مفتوحة للجميع، فإذا ما قام أحد العلماء باكتشاف علميّ معيّن فإنّه يقوم بكلّ بساطة بتدوين تلك التجربة بحيث يمكن لأيّ شخص آخر يملك الوقت الإمكانيات الكافية أن يعيد التّجربة ليصل إمّا إلى نفس النّتيجة أو يثبت خطؤها. في حين تبدو في الفرضيات الأخلاقيّة والدينيّة عموما غير قابلة لنفس التّحقق العلميّ بحيث تبدو غير مفتوحة للجميع لإمكانية اختبارها. الأمر الّذي يجعل ادعاء اليقين الأخلاقيّ فيها ليس أمرا خاطئا وحسب بل ذو تبعات كارثيّة فيما يخصّ العلاقات الإنسانيّة عموما. وهو ما يجعل من التّسامح مع الاختلاف ضرورة أساسيّة في مثل هذه الحالة. 15


************


  • 1– “Divided by Faith: religious and the practice of toleration in early modern europ”, pp 143 Kaplan, Benjamin
  • كذلك يبدو مهما ملاحظة أنّ المراسيم الّتي كانت تدفع نحو التّسامح الدينيّ، بما فيها مرسوم نانت 1598 كان يطلق عليه رسميًّا مراسيم ” تهدئة” وليست مراسيم للتّسامح.

  • 2- عبّرت عن هذا النّزعة الّتي تحاول تأسيس الدّين على مبادئ أخلاقيّة عامة واعتبار وتهميش المضمون الحرفي للكتاب المقدّس. عن نفسها من خلال كتابات عديدة أبرزها لها عند غاسبار شفنكفيلد- دافيد جورس . أنظر لوكلير، تاريخ التّسامح في عصر الإصلاح، المنظمة العربيّة للترجمة، ترجمة جورج سليمان، 2009، ص 149-219.
  • 3- جدير بالذّكر أنّ هذه الآية الّتي وردت في لوقا 14:23 قد شكّلت ركيزة عند البعض في تبرير الاضطهاد الدّيني بدعوى حماية الدّين من الهراطقة من جهة ومن جهة بدعوى تخليص الهراطقة من بدعهم بدعوى المحبّة، كان القديس أوغسطينوس في سياق جداله مع الدوناطيين قد حاول أن يجد في هذه الآية مبرّرات لاستخدام السّلطة الزمنيّة لقمعهم واستئصال بدعتهم من حيث أنّ ثمّة اضطهادان تعسفي وآخر عادل، فأمّا الاضطهاد التّعسفي فذاك الّذي يلحقه الهراطقة بكنيسة المسيح، وأمّا الاضطهاد العادل فهو ذاك الّذي تلحقه الكنيسة بالهراطقة، فالاضطهاد الأوّل هو اضطهاد تعسفي وأمّا الآخر فبداعي المحبّة. أنظر تاريخ التّسامح ص86 -94.
  • 4- كانت معاهدة أوغسبورغ قد وضعت الحد للصراع الطائفي الكاثوليكي البروتستانتي في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، حيث إقرار مبدأ الوحدة السياسية الدينية، إذ سمح لكل أمير من أمرا المقاطعات الألمانية أخيار إما اللوثرية أو الكاثوليكية ضمن المقاطعات التي يحكمونها في حين يكون رعايا الأمير في المقاطعة مجبرين على اعتناق مذهب الأمير.
  • 5- توماس مور، يوتوبيا، ترجمة وتقديم أنجيل بطرس سمعان، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1987.
  • 6- نفس المصدر.
  • 7- Stravrianos, “The Ottoman Empire” pp24 S وفولتير، قصص وحكايات، ترجمة سليمان حرفوش، دمشق، دار المدى، 2006.
  • 8- جريدة القبس 20 ديسمبر 2016.
  • 9- Simon The dangerous of certainty by in new York times 2.Feb.2014 Critchley
  • 10- هربرت ماركيوز، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، بيروت، دار الآداب، 1988 ص116-120.
  • 11- في آواخر شهر مايو من العام 1416 أدان مجمع كونستانس المصلح واللاّهوتــي التشيكي جيــروم أوف براغ بتهمة الهرطقة، وتمّ الحكم عليه بالإعدام حرقــا، وبينما كانت النّيران تشتعل تقدّمت امرأة عجوز بيدهــــا حزمة مـــن الحطب لترمي بها ضمن الحطب المشتعــــل حــول جيروم، فقال : sancta simplicitas “يا للسّذاجة المقدّسة”.
  • 12- أنظر المبررات الّتي ساقها (ج. مل) للدّفاع عن التّسامح ج.مل. عن التّسامح ترجمة عبد الله غيث، ط الأهلية، ص 65 – 80 على الرّغم من كون هذا الإلزام لا ينبع دوما من فكرة ( اليقين ) فحسب، إذ ثمّة دوافع أخرى تجد تبريراتها في الإلزام الدّيني نفسه. بحيث تصبح فكرة إلزام الآخرين لفكرة مّا، هو بسبب أنّ الدّين أو بالأحرى أنّ -تفسيرا معيّنا للدّين- يوجب على الفرد أو السّلطة -بأشكالها الاجتماعيّة أو السّياسيّة- أن تفرض هذا الرّأي على الآخرين. أو كما يعبّر “مل” في نقده للفكرة القائلة من أن الله لا يكره فقط أفعال الكفّار، ولكنّه كذلك لن يعفينا من الذّنب إن لم نتدخّل ضدّهم” ج. مل. في الحريّة، ترجمة عبدالله غيث، الأردن، الأهلية للنشر والتوزيع، ص188، مع ذلك يبدو أنّ هذا الإلزام يتسند هو الآخر على يقين مطلق.
  • 13- ج لوكلير، تاريخ التّسامح في عصر الإصلاح، المنظمة العربيّة للترجمة، ترجمة جورج سليمان، 2009، ص 450.
  • 14- (إنّ أحد أهداف العلوم الطبيعيّة إعطاء صورة دقيقة عن العالم الماديّ وإحدى منجزات الفيزياء في القرن العشرين هي البرهان على أنّ هذا الهدف لا يمكن تحقيقه…… ذلك هو الأسلوب الوحيد للمعرفة إذ ليس ثمّة معرفة مطلقة. وأولئك الّذين يدعون خلاف ذلك -سواء أكانوا علماء أم عقائديين -يفتحون الباب على المأساة، فكلّ المعلومات منقوصة. غير كاملة. ويجب التّعامل معها وتناولها بتواضع. تلك هي الحال البشريّة وذلك هو ما تقوله فيزياء الكمّ وأعني ذلك حرفيّا). ج. بروفنسكي، ارتقاء الإنسان، عالم المعرفة، ط 1981، ص 239 -240.
  • 15- “The dangerous o Moral certainty”, the philosophy now –Issue 15 Lloyd, Peter

*المقال نشر في الأوان بتاريخ  ١٧/٧/٢٠١٧

•••••••••••••••••••••

Advertisements

الحوار الأخير للكاتب غونتر غراس

  

هذه المقابلة أجرتها صحيفة الباييس الإسبانية في منزل الكاتب في مدينة لوبيك شمال ألمانيا في ٢١ مارس الماضي، ونشرتها في ١٤ أبريل الحالي وفيها يتحدث غونتر غراس عن عدد من القضايا وعن رؤيته لعالمنا اليوم والمخاطر التي تهدده. وفيما يلي نص الحوار :

– ما الذي تقدمه لك كتابة الشعر كإنسان ؟

– صدر أول كتاب لي في الخمسينيات وكان عبارة عن ديوان شعر مع بعض الرسوم، وبعد فترة كتبت روايتي (طبل الصفيح)، كنت حينها في برلين أدرس النحت، كتبت الرواية فقط لتغيير وسيلة الاتصال، وقد وجدت نفسي في الشعر، لأني أدركت أن تماثل عدة عناصر في الرواية يبعدني كثيرا عما اريد قوله، وكنت أريد اكتشاف ذاتي وأقارن نفسي بنفسي.

– وماذا عن الرسم ؟

– عندما أرسم لفترة طويلة من الزمن أرغم على العودة إلى الكلمات، إلى الشعر، أحاول أن أعود إلى معاودة الاتصال ، واجد أيضاً مكاني، لأن كل نشاطي السابق أبعدني عن ذاتي.

– ما الذي تكتشفه عند العودة إلى الذات ؟

– في الخمسينيات والستينيات اضطررت إلى ارتداء النظارات، وقد كتبت قصيدة تناولت الموضوع، قلت فيها إن كل شيء أصبح أكثر وضوحا ولكن ليس بشكل مباشر، حتى الشوائب أصبحت أكثر وضوحا، وبمرور السنين بدأت أدرك عملية التقدم في السن، وهناك بعض أجزاء من جسمك قد تعطلت وعليك الذهاب لتصليحها، وأصبحت عندي المعرفة الكاملة بان لكل شيء نهاية.

– هل كان عندك مثل هكذا انطباع حتى في ايام شبابك ؟

– بالنسبة لي فإن الأمر كان واضحا منذ فترة مبكرة، لأنني لم أكن متأثرا فلسفيا بهايدجر بل تأثرت بفلسفة ألبير كامو، وهكذا فنحن نعيش الآن ولدينا القدرة على فعل شيء ما في حياتنا، أنها أسطورة سيزيف، التي تعرفنا عليها بعد الحرب، بمرور السنين أدركت أننا نملك الامكانية لتدمير الذات، وهذا شيء لم يكن موجودا، كان يقال أن الطبيعة هي المسؤول الوحيد عن حدوث المجاعات والجفاف، ولكن اتضح أن هناك شيئا ما في مكان آخر مسؤول عن ذلك ايضا، فللمرة الاولى نكون نحن المسؤولين، نمتلك الفرصة والقدرة على تدمير أنفسنا ولم يحدث شيء لتخليص العالم من هذا الخطر، وبالاضافة إلى البؤس الاجتماعي الذي يعم العالم، لدينا الآن مشكلة التغيرات المناخية، التي لا يمكن لأي عقل أن يتخيل عواقبها ، تعقد المؤتمرات الواحد بعد الآخر ولكن لاشيء يتغير.

– ويتسع نطاق المشكلة ؟

– ويجب أن نضيف إلى ذلك مشكلة الانفجار السكاني، وهذا كله يجعلني أدرك أن للاشياء نهاية، وليس إلى أجل غير مسمى، واذا أخذنا بنظر الاعتبار تاريخ وجود كوكبنا نستطيع أن ندرك فقط أننا سنعيش فترة قصيرة ومحدودة، وإن كل ما تركناه وراءنا هو النفايات النووية، اذا أراد كل واحد أن يعرف ما الذي فعلناه في كوكبنا فإن النفايات النووية خير مثال….في السبعينيات والثمانينيات كتبت روايتين ملحميتين هما (سمكة موسى) و(الفأرة) وفيهما يتبين تماما كلامي عن قدرة الإنسان على التدمير الذاتي .

– ليس هناك كتاب نثري واحد من بين أعمالك لم تركز فيه على الحياة الشخصية ،من (طبل الصفيح) مروراً بـ (تقشير البصل ) حتى كتابك مشية السرطان ..فالخيال يكون في خدمة الواقع في هذا الجانب ؟

– نعم، وقد قصدت ذلك في كتابي الجديد الذي صدر في الخريف و كان عبارة عن نصوص قصيرة أردت أن أبين من خلالها العلاقة الوثيقة بين الشعر والنثر، ففي الألمانية يتم الفصل بين هذين الجنسين الأدبيين، ولكني أردت أن أراهما معا، لأني أعتقد أنهما مترابطان، فالحدود بين الشعر والنثر غير معروفة بالنسبة لي فهما ممتزجان.

– هل يمكن القول أن هذا المزج يتيح التعبير بشكل افضل ؟

– لقد ورثت من والدتي موهبتي، فبالنسبة لي لم أكن أهتم بقضية وأترك الاخرى، لقد فهمت إني أملك موهبتي، وبالعمل الشاق يجب أن اطورهما وأحاول أن أعبر عن ذاتي على أساسهما ، والاختيار من أي منهما لم يكن خيارا ولكنه اثراءً، فعلى سبيل المثال لو إني كتبت كثيرا سيتولد لديّ شعور أن النحت يجعلني أفضل، لأنه يعبر عن شيء ما من خلال جوانب معينة، كما في الفضاء والفراغ من حولنا، أغلب قصائدي تبدأ بالرسم، فعندما تتولد لدي فكرة ما فاني أضعها على الورق وحينها احاول أن امررها من خلال الرسم لأرى أن كانت تتوافق معها ام لا، التعبير عما لا يمكن قراءته في لوحة بالالوان المائية وحالما تجف أكون قد بدأت بكتابة ثلاثة أو أربعة أبيات من قصيدتي، وهذا مثال جيد على كيفية امتزاج الموضوعين (الرسم والكتابة) احدهما مع الآخر وكيف يثري احدهما الآخر.

– كإنسان ما الذي يعنيه العمل لك ؟

– حين تقرأ كتبي ستعرف كما في قصة تقشير البصلة أنني في سن السادسة عشرة استطعت أن ابقى على قيد الحياة بمحض الصدفة، حيث عشت ثلاثة أو أربعة اسابيع  في أيام الحرب ، وكان عندي خمسة أو ستة احتمالات للموت كما هو حال الكثيرين ممن كانوا في عمري، وأنا ما زلت إلى يومنا هذا أدرك ذلك، الحقيقة أن العمل يساعدني كلما كان ذلك ممكنا لكي أبرهن لنفسي بأنني مازلت حيا، أنا موجود وما زلت أعيش، أنني ما زلت على قيد الحياة.

– تعتبر اعمال ألبير كامو بمثابة تفسير للألم أو تكفير عنه، السعي وراء الخلاص من خلال الأدب كيف يمكن تقييم ألبير كامو بذات الموقف ؟

– ان مسرحيته أسطورة سيزيف تصف العمل ، فكم هو مروع أن تتسلق الصخر وأنت تعرف أنه بلا فائدة لأن الحجر سيعود ويسقط مرة أخرى، ومع ذلك، فلم يكن أمام سيزيف أي بديل سوى أن يحملها فاذا لم يفعل فأنت تتهرب من مهمتك، أنهى ألبير كامو قصته أسطورة سيزيف بالقول أنه يمكن اعتبار سيزيف انسانا سعيداً، وهذا بالنسبة لي كان مهما جدا، تفسير جديد لاسطورة الوجود الحقيقي، كل ما يسبب بعيدا عن الأنظار هو الألم، كل شخص له وضعه وقد ادركت انه لا يمكن التعبير فقط فنيا عن نفسي بل يجب تناول عدة مواضيع معينة، مثل مرحلة شبابي ،الاستسلام الكامل لألمانيا، والتدمير الكامل لكل المنازل و انهيار الامة ايضا.

– تاريخ من الألم ؟

– طوال حياتي وإلى اليوم، بقي الشيء نفسه، وما هو مدهش أن ألمانيا هي قصة لا تنتهي، لأن الجرائم المروعة مثل الهولوكوست والإبادة الجماعية لا تزال تؤلف قصة لا تنتهي، نحن نرى الآن ما يجري في اليونان، نحن نواجه مرة اخرى مشاكل الرعب الذي سببه الجنود الالمان اثناء الاحتلال، القصة ما زالت تلاحقنا، لذلك تراني أعود مرة أخرى إلى موضوع الألم عند ألبيركامو، الألم هو الشيء الرئيسي الذي يجعلني أعمل وأبدع.

– لألبير كامو جملة تقول (الشمس التي هيمنت على طفولتي حرمتني من كل مشاعر الاستياء) هل طفولته هي الأساس في تطور أعماله الأدبية في ما بعد ؟

– في رواية تقشير البصلة هناك رثاء لأمي، فقد ماتت في عمر السابعة والخمسين جراء مرض السرطان، رأيت والديّ وشقيقتي بعد سنتين من انتهاء الحرب، أمي أبعدت من مدينة دانزنغ، ما رأيته هو امرأة مكسورة قد كبرت كثيرا، عندما كنت طفلا كنت احكي لها حكايا من بنات خيالي، ومخيلة الطفولة تكون خصبة جدا، كانت تقول أكاذيب الطفولة، ولكنها في أعماقها كانت تحب تلك الأكاذيب، كنت أقول لها دائما حينما أكبر وتصبح عندي نقود سأسافربها إلى بلدان رائعة ونفعل الكثير من الأشياء، ولكنها سرعان ما ماتت ، لم أرها حقيقة، ولم أفعل لها شيئا، لقد تألمت عندما قلت إني أريد أن أصبح فنانا، وكان أبي معارضا بشكل كامل لذلك الأمر، وكانت تقف بجانبي ولكنها كانت تتألم، وما زلت متألما ، لأنني لم أستطع أن أفي بأيّ من وعودي لها، وأعتقد أن عندي عقدة نفسية من هذا الموضوع ، ولم أرغب أن أراجع طبيبا نفسيا كانت والدتي مصدر كل ما عندي من ابداع.

– ذكرت في ما سبق أن رواية تقشير البصلة تحكي قصة شاب هو (أنت) الذي ربما يكون قد مات أو اختفى، وذلك لم يحدث فأنت موجود هنا بطريقة ما، هل تعتقد أن الحرب تركت آلاما لا تمحى لك ولابناء جيلك ؟

– بالتأكيد نعم، لقد شكلت الحرب العالمية الثانية علامة مميزة، والشيء الأكثر رعبا ومأساوية هو الفترة الطويلة التي استمرت فيها الحرب، لذلك فإن جيلي أكثر تنبهاً ويقظة للمشاكل التي من حولنا والتي توحي بأننا نمر في حرب عالمية ثالثة ، ولكننا لا نستطيع ان نقول متى ستبدأ، الحرب العالمية الثانية بدأت حين دخلت ألمانيا بولندا، ولكن في النهاية فإنها سبق وإن بدأت قبل نهاية الحرب الأهلية الإسبانية، بالنسبة لالمانيا وايطاليا والاتحاد السوفيتي والآخرين فإن الحرب الأهلية الإسبانية كانت فرصة لاختبار أسلحتهم، وعندما انتهت عام ٣٩ بدأت الحرب العالمية الثانية في عام ٣٦،  بدأت اليابان بالتدخل في منشوريا ، ومن هناك نحو الصين، بتلك المذبحة المروعة، ام أن هناك اندلاعا آخر للحرب في آسيا، نحن نتدخل في اوكرانيا حيث لم يتحسن اي شيء في وضعها، العلاقة بين الاسرائيليين والفلسطينيين تزداد سوءا، وهناك الكارثة التي خلفتها لنا امريكا في العراق، وحشية أعمال ما يسمى بالدولة الإسلامية، ومشاكل سوريا، حيث ما زال الناس يقتلون والأخبار عنها بدأت تختفي حيث لم يعد أحد يكترث بها، هناك حرب في كل مكان ، وهناك خطر تكرار نفس الأخطاء من قبل، وما لم نتدارك الأمر، فإننا سنواجه خطر حرب عالمية جديدة.

– كتبت كتاب (مئويتي)، عن القرن العشرين وشروره، لكن القرن الحادي والعشرين يطيل في عمر الشر ويزداد وينتشر فيه التعصب، فهل السبب هو الطبيعة الشريرة للبشر في القرن الحادي والعشرين ؟

– أشك في ذلك، أنا لم اقل ابدا أن هذا جيد وذاك سيّئ إن هذا تبسيط للامور، كان بوش مشكلة، كان يتكلم عن الشر إلى الحد الذي لم يساعد على ان يجد حلا، لقد قادنا الى الاحادية، إما أبيض أو أسود، ما نحتاج أن نفعله هو أن نتذكر بداية القصة، فعلى سبيل المثال، ما الذي حدث في أعقاب الحرب العالمية الاولى ؟ تفكك الإمبراطورية العثمانية، نشوء دول البلقان، واكتشاف النفط الذي أصبح عنصرا هاما جدا في السياسة الدولية، لم يكن العراق موجودا بعد، كان من إختراع القوى الاستعمارية المنتصرة في تلك الحرب، فلسطين كانت محمية بريطانية، كما كانت سوريا الفرنسية، و مذابح الهولوكوست أنتجت لنا مشكلة فلسطين،دوعلى هذا الأساس فان كل القلق والمخاوف ظلت قائمة إلى يومنا هذا ، والجذر الأساس للمشاكل هو مواقف الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الاولى.

– نحن نأمل ان يكون الانسان أفضل في القرن الحادي والعشرين ، ولكنك تعود الى الماضي وتتنبأ بالحرب العالمية الثالثة لماذا رؤيتك للمستقبل متشائمة هكذا ؟

– انها ليست متشائمة،أنا أعتمد على الخبرة والاخطاء التي ارتكبناها، والتي كان يمكن تفحصها تاريخيا،ولذلك فانا أشك أن الانسان سوف يتحسن، وهناك شيء آخر اذا ما كان الانسان قادرا على أن يتعلم من اخطاء الماضي، فمثلا انظر الى النزاع مع روسيا، فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان امرا كارثيا، جاء يلتسن وبوتين، وثم جاء بوتين وبعده بوتين، ما يحاوله بوتين هو اعادة بناء ذلك البلد روسيا، بوتين يمد بصره نحو اعوام ١٩٨٨ و١٩٩٠ حينما انهار كل شيء برغم الوعود الغربية، الناتو أصبح أكثر تماسكا، فاذا تذكرنا جراح الروس من أيام نابليون، وأيام الحرب العالمية الثانية والتي قتل فيها الالمان ٢٧ مليون انسان، فنحن نعيد لهم الآن المخاوف من أن يكونوا محاطين بالاعداء، أنا لا اقول ذلك لـ أبرر ما حصل في القرم، انه أمر غير مبرر، ولكن يجب أن يكون مفهوما وهذا ما يجب ان نفعله، أن نفهم روسيا.

– ونحن لم نفهمها ؟

– لقد فقدنا القدرة على فهم الاخطاء التي ارتكبناها بأنفسنا بعد عام 1989،دبعد انهيار الاتحاد السوفيتي تم حل حلف وارسو، ولكن حلف الناتو بقي تماما كما هو، ولم يكن هناك مسعى جدي لخلق تحالف أمني جديد يضم روسيا، وهذا فشل ذريع، هناك وعود بان تصبح اوكرانيا جزءا من الاتحاد الاوروبي ومن الناتو في ما بعد، ومن المنطقي أن يكون رد فعل روسيا على ذلك غاضبا، وبوتين لديه كل الاسباب لهكذا ردود افعال، وفي اوروبا فشلت المساعدات الاقتصادية والمالية في ان تخلق سياسة خارجية مشتركة، وما زال الاعتماد بشكل كبير على أمنيات الامريكان وامريكا بعيدة كثيرا عنا وعما يجب ان نفعله، واذا جاء الجمهوريون الى السلطة فاننا سنشهد تعزيزا للترسانة العسكرية الامريكية من جديد ، وعلى حين غرة ستكون قوة عسكرية كبيرة بمواجهة روسيا.

– لقد خلقت الكثير من التعابير المجازية، واكثرها عمقا في اوسكارماتزينراث (بطل رواية طبل الصفيح)، وكان يبدو أن تلك الشخصية لا تكبر او أمتزجت بعالم الكبار في يومنا هذا ولا تريد ان تكبر ؟

– يمكن ان يتجسد الفرق بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين بالآيديولوجيا، وليس فقط بالفاشية الايطالية، أو الاشتراكية القومية الالمانية ، او الشيوعية، ولكن أيضا بطريقة الحياة الامريكية، والرأسمالية السائدة، وكل تلك غادرت وبقيت الرأسمالية التي لها القدرة على التغيير، ولكن الرأسمالية تحطم نفسها، كل هذه الكميات غير المعقولة من النقود التي ينفقها العالم، لا تفعل شيئا في الاقتصاد الحقيقي، هذه اللاعقلانية لم تكن موجودة في القرن العشرين،…اوسكار سيكون شخصا مختلفا في أيامنا هذه ، وعليه أن يقاوم باشكال مختلفة، وعليه أن يتحرك في بيئة مختلفة تماما، حلّ القرن العشرون وكانت البيئة السائدة هي بيئة البروليتاريا والبورجوازية التافهة وكان يجب ان يكون هناك رد فعل، الآن سوف تكون عندنا نزوة الكومبيوتر، القرصنة أو شيء من قبيل ذلك، وهناك حاجة للتغلب على الانواع الاخرى من التحديات.

– هل انت اوسكارماتزينراث ؟

– انا لم انجح في أن أوقف تقدمي في السن.

– هل احببته ؟

– كلا، بشكل اساسي كلا، أنا لا أشبه اوسكار، ماحدث هو ان شخصية ماتزيرناث قد تجذرت في التشرد، وكانت مثل مرآة بزجاج مكبر، تشعل الحرائق و كانت قادرة اكثر فاكثر على التعبير عن طفولية القرن العشرين، التي لا أرغب في المشاركة فيها أو الدفاع عنها.

– للرسام غويا تأثير عليك،ما الذي يعطيك اياه غويا ؟

– في الحقيقة أنا أعمل في ظل سلسلة من لوحات غويا، غويا هو المثال العظيم بالنسبة لي، ويقدم لي المعيار الذي أحكم فيه على الاشياء إن كانت جيدة أم سيئة.

* الحوار ترجمه للعربية أحمد الزبيدي ونُشر في جريدة المدى.