مع ذكريات كراتشكوفسكي والمخطوطات العربية

  
شغف عظيم ذلك الذي جعل اغناطيوس كراتشكوفسكي يغرق باكراً في عالم الاستعراب والمخطوطات العربية، لينتشل لنا وللعالم ما خبأته القرون والحضارات المتعاقبة من كنوزٍ دفينة.  

يبدأ كراتشكوفسكي كتابه بهذه الافتتاحية :

“أرجو أن لا ينظر إلى هذا الكتاب على أنه مذكرات شخصية للمؤلف فإنني لم أكتب هذه المذكرات عن نفسي، وإنما عن المخطوطات العربية التي لعبت دوراً كبيراً في حياتي، والتي شاء لي الحظ أن أُصادفها، أو التي شقت طريقها إلى دنيا العلم عبر يدي.”
بدأ نشاطه الاستشراقي بالجامعة وانتقل بعدها للبلاد العربية لينهل من منابع اللغة والمكتبات العربية عن قرب، كان لـ أبو العلاء المعري النصيب الأكبر من محبة كراتشكوفسكي واهتمامه، كتب عن سيرة حياة الشيخ الأزهري محمد عياد الطنطاوي المعلم العربي الأول في روسيا، وكذلك تحدث عن ابنة الناصرة كلثوم عودة التي عملت معه في روسيا بعد أن كانت تلميذته في فلسطين، ترجم القرآن الكريم للروسية وشارك في اعداد القاموس العربي الروسي الأول، بادر بالاهتمام بالأدب العربي الحديث في بلاد القوقاز.
تحدث عن تنوّع المخطوطات وقصص اكتشافها، عن المتحف الآسيوي والجامعة، والمكتبات وأمناء المكتبات، عن أعمار العلماء القصيرة نسبة لطريق العلم الممتد، عن أصدقاءه الروس والعرب، والذين ارتبط مع بعضهم بعلاقة روحية غنية، كان زادها في البعد الرسائل والمخطوطات وعشق الأدب العربي، ومنهم أحمد تيمور باشا وأمين الريحاني وميخائيل نعيمة وغيرهم.

لغة الكاتب أدبية بامتياز وتَلمس دفء عاطفته وتعلّقه بالشرق عبر الصفحات، وربما كان هذا سر جمال الكتاب ونجاحه في روسيا قبل البلاد العربية، نجح الدكتور محمد منير مرسي في نقل ذكريات كراتشكوفسكي للعربية كما لو أنها اللغة الأصلية للكتاب، أغفلت دار النشر الروسية الاشارة لاسم المترجم في النسخة العربية، أعادت طباعتها دار النهضة العربية بمقدمة المترجم وزوجة الكاتب وأكثر من مقدمة لطبعات مختلفة بقلم الكاتب وكلها تستحق القراءة. – حتى لمن يُهمل قراءة المقدمات مثلي –

 ذات خيال دار هذا الحديث العذب بين المخطوطات وكراتشكوفسكي ليكشف عمق العلاقة بينهما : 



عن الكتاب :                           

  • اسم الكتاب : مع المخطوطات العربية صفحات من الذكريات عن الكتب والبشر
  • المؤلف : المستشرق الروسي اغناطيوس كراتشكوفسكي
  • الناشر : دار النهضة العربية ١٩٦٩
  • عدد الصفحات : ٢٤٠


روابط ذات علاقة :

–  النسخة الإلكترونية

– مراجعات القراء goodreads

– مقال عن الاستعراب الروسي

Advertisements

أنف نيكولاي غوغول والمعطف

image

ماذا لو استيقظت من النوم ولم تجد أنفك معلقة في مكانها الطبيعي ؟ هذا مايقصه علينا غوغول بفنتازيا خيالية في غاية الروعة والبساطة، المفاجأة تذهل الملاحظ كوفاليوف، يفتقد مكانته الاجتماعية وكبريائه الخاص باختفاء شموخ أنفه أكثر من حاجته لحاسة الشم. يشتكي حاله للرب :
“ياربي.. ياربي! علي أي شيء هذه البلوى؟
لو كنت بلا يدين، أو بلا رجلين لكان ذلك أفضل، لو كنت بلا أذنين لكان أهون رغم بشاعته، ولكن أي شيء إنسان بلا أنف. لاهو طائر يطير، ولا هو مواطن بين المواطنين!
يصادف الملاحظ أنفه المفقود في الكنيسة متنكراً في هيئة مستشار عالي الرتبه يغشى تعابيره الورع، الطبيب يقترح بيع الأنف بمبلغ محترم بعد حفظه في قارورة الفودكا والخل، كوفاليوف بالأنف مرة أخرى يعود إلى سابق عهده وتعاليه.شبح الأنف يطارد الناس في الأماكن العامة وأوهامهم المتصاعدة، تنتهي قصة الأنف بسخرية غوغول من هذا النوع من القصص ومؤلفيها ومدى فائدتها للشعب !

في قصة المعطف يلخص الكاتب شخصية الناسخ وصاحب المعطف في هذا الوصف : “ينبغي أن نعرف أن أكاكي اكاكيفتش كان يعبر عن أفكاره في أغلب الأحوال بحروف الجر والظروف وأخيرا بالأدوات التي ليس لها أي معنى على الاطلاق.
أما إذا كانت المسألة صعبة جدا فقد كان من عادته ألا ينهي الجملة أبدا. ولذلك كان كثيرا ما يبدأ حديثه بهذه الكلمات:
“هذا في الواقع.. يعني تماما..”
همّ المعطف الجديد ومشاكله يُغيّر من حال أكاكي اكاكيفتش للنقيض، بعد أن كانت حياته رتيبة وأيامه تشبه الحروف التي ينسخها نُسخ مكررة ومتشابهة، الجنرال الذي ينهي حياة صاحب المعطف بهيبته المفترضة لمنصبه، يظهر أيضاً مرتبكاً برتبته الجديدة ويحاول التلائم معها ولكنه يكتسب لقب أضجر إنسان.

الرمزية في قصتي الأنف والمعطف جميلة جداً،تبدأ بنظرة الإنسان لنفسه والمبالغات التي يضيفها أو يسلبها من حجمه الحقيقي، وتمتد لتشمل مجتمعات بكاملها أو مبادئ وأفكار يلزمنا معها تحذير مشابه لما يكتب على مرآة السيارة الجانبية لرؤية أكثر واقعية.

قرأت نسخة الأنف المنشورة في المكتبة الروسية ترجمة د.أبوبكر يوسف، الترجمة جيدة إلى أن يتفاجأ ذلك الروسي في موسكو ويقول: ياخبر أبيض! وجدت ترجمة المعطف أفضل. نُشر في بداية نسختها الإلكترونية اسماء المترجمين ومنهم غائب طعمة فرمان وأبو بكر يوسف. هناك أيضاً ترجمة حديثة لمحمد الخزاعي.

المعطف والأنف كانت باكورة قراءات صالون الأدب الروسي، الصالون خطة قرائية جاهزة لمن يود الاستزادة من هذا الأدب الرفيع والغني عن التعريف. الشكر والامتنان للقائمين على الصالون ومرتاديه.