موسم الهجرة إلى الشمال

image

إعادة تقييم وتقدير لرواية الأديب الراحل الطيب صالح، بعد قراءة ثانية بعيدة عن تأثير شهرة الرواية ومايتبعها من توقعات وخيبات.
قراءات أخرى أرسلتني من جديد للهجرة بحثاً عن العبقرية والإبداع في هذه الرواية، أذكر منها روايات دوستويفسكي الغارقة في الوصف والتفاصيل، جعلتني أتذوق لغة الطيب الصالح حين يسهب في الوصف لدرجة أن يغمرك ماء النهر وتخنقك رائحة الصندل وتُعجب بالهوية الممتدة مع جذور النخل.
كذلك رحلة بطل موراكامي للغابة في رواية كافكا على الشاطئ، جعلتني أفهم رحلة الراوي في مياه النيل وصراعه بين قاع الجنوب والسباحة شمالاً ليستقر بعدها طافياً على سطح الماء، مشهد رائع صدمني سابقاً لعجزي عن فهمه وكونه خاتمة غريبة للرواية.

يتحدث الكاتب عن فكرة الصراع الأزلي بين الشرق والغرب، تصادم الحضارات وإرث الاستعمار الثقيل، صعوبة التلاقي الإنساني المتخفف من عبء هذه التراكمات، أي محاولة لكسر هذا الحاجز تكون علاقة غير شرعية وفقدان للتوازن والهوية، الاستثناء يأتي من شخصيات تنجو بمصادفة التجربة وحيادية الرؤية هنا وهناك.

المرأة دائماً هي علامة تعافي أو تردي المجتمع، هي حالة التحرر والتطرف والاعتدال، أبدع الطيب صالح في كتابة الشخصيات النسائية لتحمل هذا المعنى ونتاجه الخانق للمرأة.
“حسنه بنت محمود” ليست بخفة عشيقات “مصطفى سعيد” لتتخلى عن الحياة ببساطة، تترك أثرها على حياة “ود الريس” قبل حياتها.
الإنجليزية تحمل في عينيها عطف مسيحي وتُقبل على الحياة بمرح وخفة، تصدق أكاذيب مصطفى سعيد عن بلاده: “الشوارع في بلادي تعج بالأفيال والأسود، وتزحف التماسيح عند القيلولة” “لابد أن جدي كان مع طارق ابن زياد وقابل جدتك وهي تجني العنب في أشبيلية وخرجتُ من سلالته الأفريقية وأنتِ جئتِ من سلالته الاسبانية”

ترك المستعمر البلاد العربية ولكن هل نالت استقلالها فعلاً؟ يقول الكاتب عن المستعمر:
“كان مفتش المركز الإنجليزي إلهاً يتصرف في رقعة أكبر من الجزر البريطانية كلها، كانوا يتصرفون كالآلهة. غرسوا في قلوب الناس بغضنا، نحن ابناء البلد. احتضنوا أراذل الناس. أراذل هم الذين تبوأوا المراكز الضخمة أيام الإنجليز”
مع هذا الاقتباس تمطرني الذاكرة بأبيات وقصائد كاملة أتحفنا بها أحمد مطر لتشفي مصابنا الجلل من أراذل الناس!

“فترات طويلة من الهدوء ولكن مع فترات من العواصف الممطرة وأحياناً أمطار محلية”
رصد الطيب صالح لحالة الشرق المتداعي وتوقعاته بحالة طقس تجعله ضمن المتنبئين بدون فلك، من يخبره أن الأمطار تحولت لعواصف نارية تأكل بعضها بعضا !

الرواية تحفة أدبية رائعة ومحطة مهمة لي كقارئة، تفتحت لي بعض مغاليقها واستعصى عليّ البعض الآخر، اتكأت على قراءات سابقة وهذا المقال النقدي لمشاركة الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال.

اقتباسات:

  •  لماذا لا أحزم حقيبتي وأرحل ؟ هؤلاء القوم لايدهشهم شيء ! تعلموا الصمت والصبر من النهر والشجر.
  •  لحظة تتحول فيها الأكاذيب أمام عينيك إلى حقائق، ويصير التاريخ قوادا، ويتحول المهرج إلى سلطان.
  •  ياللسخرية. الإنسان لمجرد أنه خُلق عند خط الاستواء، بعض المجانين يعتبرونه عبداً وبعضهم يعتبرونه إلهاً ! أين الاعتدال؟ أين الاستواء؟
  •  لو أن كل إنسان عرف متى يمتنع عن اتخاذ الخطوة الأولى، لتغيرت أشياء كثيرة.
  • انك يامستر مصطفى سعيد رغم تفوقك العلمي، رجل غبي. إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس : “طاقة الحب”
  •  نُعلم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة. ولكننا لانستطيع أن نتنبأ بالنتيجة الحرية. نحرر العقول من الخرافات، نعطي الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كما يشاء.
  • مثل هذه الأرض لاتنبت إلا الأنبياء. هذا القحط لاتداويه إلا السماء. 
  •  رائحة جدي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ورائحة الطفل الرضيع. هو كشجيرات السيال في صحاري السودان، سميكة اللحى حادة الأشواك، تقهر الموت لأنها لاتسرف في الحياة.

وأخيراً الإهداء الذي كتبه مصطفى سعيد في بداية مذكراته وصفحاتها الفارغة :
“إلى الذين يرون بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء، إما شرقية أو غربية”

••••••••

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s