خماسية مدن الملح

image

وأخيراً أنتهت رحلتي في مدن الملح، لم يكن التجوال في هذه المدن برفاهية فضول قارئ يتطلّع لما بين السطور، كانت أكثر من ذلك.. 
كل ماكنت أقرب لأرض موران كانت قراءتك أكثر ألماً..تصبح القراءة أشبه بعملية لقلب مفتوح لآخره مثل عينيّ القارئ، يلتقط عبدالرحمن منيف هذا الشريان وذاك الوريد ويغزل لك مافاتك من حكايات الأولين والمتأخرين، تخنقك الصحراء بقدر مايسحرك حديث هاملتون عنها.
حتى بدون التأويل والتفسير لما وقع من أحداث ؛ الخماسية بكاملها ملحمة شخصية للكاتب الذي استطاع أن يرتفع فيها بهذا البناء المدهش عن بيئة تلفظ مبدعيها بقسوة.

على طريقة إيكو في مقدمة (اسم الوردة) ينصب لك منيف الشباك حتى يكتسب قارئه جدارة الوصال والمتابعة لهذا العمل الذي يدرك كاتبه (جيداً) مدى أهميته، بساطة وجمال اللغة تمتزج بالأمثلة الشعبية التي تحيي مفاهيم وعادات ذلك الوقت، اسماء الشخصيات وتلميحات الكاتب الصغيرة في نهايات الجمل وبعض المقاطع التقاطات غاية في الذكاء، تشعر معها أنك تشاركه القصة وتفهم تلميحاته على طريقة البدو الغامضة في التفاهم بدون كلمات، تنتظر المطر مع أهل موران وتشاركهم الهواجس والأمل، الصفحة الأخيرة كانت فاصل أستخدمه منيف كثيرا ًللدلالة على الانتقال من مرحلة لأخرى، لكنه توقّف هذه المره لتنتقل حالة الانتظار إليك بعد مغادرة منيف وشخوصه.

(التيه) بوابة العبور وبداية انقراض البداوة في جزيرة العرب، والأخدود قصة حكم الأمير البدوي لشعبه القَبلي بكثير من البركة وموروث والده المحنّك.
في (تقاسيم الليل والنهار) العوده مجدداً لقصة تأسيس السلطنة من البداية وتقاسيم رجل اختبر من الإمارة ما يغنيه عن قراءة كتاب ميكافيلي، شخصية الأمير فنر تعد والده بمشروع سلطان متعلم وسياسي يحتفظ بمكتسباته من البلاد والعباد ، الجزء الرابع (المنبت) يوميات الملك المهزوم في بلاد المنفى ونهايات متوقعة لصداقة الملوك فكيف بقرابتهم !
(باديةالظلمات) هي أكثرمراحل الخماسية سوداوية وهي الجزء الوحيد الذي يظهر فيه مسمى مدن الملح،  الحاكم الذي يبدأ حكمه بخيانة حتى لو كانت مبررة ينتهي به الأمر لتوقّع الضربات من أقرب الأقربين، تفتدي الرقاب والحريات هذا الشعور، حكمة فنر  تتبخر أمام التحديات التي تواجهه من الداخل والخارج، تتكرر زيارات الموت الخاطفة لشخصيات منيف، سلسلة تبدأ بالعجوز أم الخوش في (التيه) وتنتهي بالسلطان فنر في الجزء الأخير.

لفتني في مدن الملح التحليل العميق لشخصية المجتمع (الموراني) المتفردة، أفكار واشكالات نمت بطريقة مرتبكة لتملأ الفجوات التي خلّفها الظهور المفاجئ للبترول والملوك والغرباء من الشق الآخر من العالم، بقدر ما اكتسب هذا المجتمع كان الفقد أكبر، يلزمني عالم اجتماع متمكن ليفسر لي هذا الاستنتاج بالذات.
شعور المنّة والفضل بنشر الدين والأرزاق على مساحات هائلة من البشر فيه كثير من التجني على التاريخ والأرض والقدَر الذي جمع بين الحاكم والمحكوم.

مدن الملح أكثر من رواية وأهم من كتاب تاريخ تستكتبه محاباة السلاطين أو معاداتهم، رحابة الرواية تتسع لما ضاقت به صدور المؤرخين لذا لن تجد هنا وقائع نسخت حرفيا من أرض الواقع ، الخيال هو مهر منيف الجامح الذي يحملك لقراءة الحكاية لآخرها، كما حمل خيال يوسا تورخييو في حفلة التيس.

مع الاهتمام بهذا النوع من الكتب ؛ الخماسية تحتاج قارئ صبور له فضول مخبر وذاكرة جيدة والأفضل قراءة الأجزاء بدون فواصل زمنية طويلة.


•••••••••

روابط ذات علاقة :

  •  هنا القراءة الجماعية لخماسية مدن الملح في صالون الجمعة
  • مراجعة عن تقاسيم الليل والنهار
  •  مقال نقدي للخماسية
  •  لقاء تلفزيوني للكاتب عبدالرحمن منيف
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s