سمراويت

image

غالباً تصيبني الخيبة بعد قراءة الروايات (العربية) التي يتحدث عنها الجميع وتُنشر اقتباساتها بجانب فناجين القهوة الانستقرامية، لكن مع سمراويت حدث عكس ذلك تماما، تناولت الرواية في جرعة قرائية واحدة.
عوضا عن الخيبة كانت الدهشة اللذيذة لما تشبّعت به ١٩٠ صفحة من لغة عذبة تحكي عن وجع الانتماء للغربة والوطن، عن تاريخ بلد قريب كنت أجهل أنه يتحدث العربية !
الصورة أعلاه لفتاة بدوية من قبيلة الرشايدة التي نزحت من وسط السعودية إلى إرتريا، عرب وقيرو وكسوة الكعبة التي كانت تأتي من هذا البلد الصغير، كنت أجهل أيضاً وجود مثل هذا التاريخ المشترك بين البلدين.
العيش في تفاصيل بلد والبقاء جانبا كغريب، استنباط الوطن من ذاكرة ووجدان الآخرين كمغترب تائب بلا ذنوب، يجهل عمر نشيد بلاده الوطني ويمر عليه كأغنية ربما عبرت مسامعه من قبل.
يتحدث عن تنوّع جدة وحفرياتها، عن نادي الهلال الذي لايمكن هضمه، عن عادل الذي يترك (الجينز) في جدة لأنه ليس من (علوم الرجاجيل).. هذا السعودي في الصميم يعرّي حالة الشوفينية التي نصاب بها عند مانتحدث مع أجنبي، عن الإسلام (السعودي) الذي يطرحه البعض كأنقى صورة من الدين القويم ..

image

حديث عمر وسمراويت عن رواية (رحلة الشتاء) لـ محمد سعيد ناود يزيد من فضولنا لمعرفة المزيد عن هذا الكاتب وعن الثقافة الإرترية، الكاتب الذي يروي تاريخ البلاد بمصداقية أفتقدها في كتب الآخرين :
“بدأت أشعر أن التأليف في مرحلة ما كان شكلاً من أشكال تصفية الحسابات السياسية أو امتداداً لها ”

“أحتاج دوزنةً
تفك حبالكم عني
وتربطني بكم ”
الاقتباس السابق من المقاطع الاستهلالية في الرواية من كلمات الشاعر الإرتيري محمد مدني  (قصيدة أحتاج دوزنة) وهي قصيدة ثائرة لكلماتها دويّ الإنفجارات !

image

رائحة القهوة في جلسات الجَبَنة، والجدة التي تحمّص قهوتها وتبخّر العائلة برائحتها الطازجة، طبق (الزقني) أو (الزغني) الذي يتغنى بلذته عمر، عادات وأكلات تتقاطع فيها أريتريا مع بلدان أخرى مثل السودان واليمن، الجارة اللدودة أثيوبيا تنازع إريتريا على حقائق تاريخية مثل الشاطئ الذي أستقبل صحابة الرسول ﷺ وهو في الحقيقة شاطئ مصوع ، وكذلك أصل الشاعر الروسي بوشكين الذي ينتصب تمثاله في العاصمة أسمرا.

image

شارع واحد يفصل بين كنيسة القديس جوزيف ومسجد الخلفاء الراشدين حيث صلاة البسطاء.. يقول عمر :
“انقضت الصلاة ولم ينقض تفكيري في صلاة البسطاء هذه..
كيف يقتربون من السماء إلى هذا الحد ؟ كيف تستطيع صلاة واحدة أن تزيل صدأ الروح ؟ بحيث يعود الواحد أنقى كل مرة ؟
خرجت من المسجد مبللاً بالخجل بعد أن دخلته سائحاً قادماً من البقاع الطاهرة.. ”
(مودرنا) المقهى الذي يطلّ على شارع الحرية (كمشتاتو) يحتضن قصة الحب الطارئة بين عمر وسمراويت، القصة التي ربما تشبه علاقة عمر بوطنه الأم :
ياللأسى.. حتى الوطن، بات مثلنا تماماً.. شيئاً طارئاً!

اقتباسات :
– سيماء الغرباء فاضحة، خابت محاولتي في ارتداء ملامح تليق بهذا العمر الجديد
– انطباع المدن الأول وكيف يقصيك عن ذاكرتها..وتأسيس ذاكرة جديدة وأشواق مكتملة
– حتى في لحظات ضعفه لايبدو هذا الرجل منكسراً، إنه كمن قرر أن يفقد شيئاً يعرف تماما كم هو مهم بالنسبة إليه، يبدو مستمتعا بقراره هذا أكثر من تأثره بالفقد
– البسمة تضمّد نهاراتهم المتشابهة، وحدها البسمة تجعل أرواحهم أقل خواء من جيوبهم
في لوثة التطوع الطارئ لـ عمر المراهق :
– جمعت ثيابي وطلبت من أمي أن تقصّرها إلى منتصف الساق
– أبي يتفادى التدخين أمامي، أما أمي تُكمل مسلسلها المفضل عند جارتها في حال صادف وجودي في البيت
– خرجت بما يشبه الندوب في في روحي وطريقة تفكيري، خرجت باحثا عن حياة طبيعية افتقدتها بكل ماللكلمة من معنى
– لم يكن يكفي حينها أن أصبح مسلما فحسب..
– وحده القرب ممن نحب قد يجعل الموت أخف وطأة
– النسيان فعل متعلق بالترف، تكاد تخلو منه قواميس الكادحين
– بقدر ماهو مؤلم أن يسكننا البرد، مؤلم أيضاً أن لايكون قد مرّ بنا ؛ فالبرد وحده يشعرنا بقيمة لحظاتنا الدافئة..
وفي هذا الاقتباس الأخير يختزل حجي جابر قسوة الغربة في   في كلمتين – عن ممارسة الحياة – (كـ مستخدم ثانٍ)

image

Advertisements

2 thoughts on “سمراويت

    • ممتنة لإعجابك وإشارتك للتدوينة ياجميلة، هي بالفعل رواية مميزة تحمل الكثير بالرغم من قصرها.
      عوداً حميداً لتدوينك بعد الغياب 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s