انقطاعات الموت – ساراماغو

image

يتحدث ساراماغو عن الموت بصورة مغايرة لما عهدناه من قبل، أقصد مانعرفه عن الموت كخبر عابر عن زيارته لأناس لانعرفهم ولايعنون لنا شيئا، نعرفه من جديد كزائر مفاجىء وقاسي القلب يخطف الأحبة في غفلة منّا، يتحدث عن الموت المجازي في حالات عديدة لأناس لازالوا يمارسون الحياة (المجازية)
يتغيب الموت مع ميلاد السنة الجديدة ويعاد تشكيل الحياة والمنطق في غيابه، تماما مثل العمى الأبيض المفاجئ في رواية ساراماغو (العمى)، اجتهادات من الحكومة ومن الفلاسفة والكنيسة لاستيعاب الموقف.

أول من سقط من الضحايا هم تجار الموت ؛ لم يعد للتوابيت قيمة ولا لشركات التأمين، ولأن كل ماله علاقة بالمال عمليّ وقليل الكلام ؛ وجدوا البديل سريعا حين توصلوا إلى إتفاق (جنتلمان) يُلزم المواطنين بدفن حيواناتهم النافقة في توابيت بشرية، وشركات التأمين صنعت موت إفتراضي في غياب الواقعي ببلوغ الشخص ثمانين عاما !
الحكومة تتعثر في البداية ثم تطلق التصريحات الحماسية المعتادة مثل : أنهم يحسدوننا لأنه لا موت في وطننا، تحاول استغلال الوضع بالتحكم في معدل الكثافة السكنية، في تنشيط أو إبطاء إرسال الأرواح المعذبة إلى خارج حدود الأبدية أي خارج حدود البلاد، وهنا كانت عصابات مافيا الموت أكثر نبلاً منها ؛ هي تنقلك للموت في مقابل مالك لا لحسابات أخرى.
أن تدفع لتموت أو ليموت من تحب (فكرة) توقفت عندها كثيراً، ساراماغو الملحد يحكي عن نعمة الموت ووجهه الرحيم بطريقة إنسان يعتمر قلبه بالإيمان !

عن الفلاسفة في غياب الموت يقول :
“ينقسم الفلاسفة كالعادة،إلى متشائمين ومتفائلين، بعضهم عابسون وبعضهم باسمون، يستعدون لأن يبدؤوا للمرة الألف النزاع الأبدي حول الكأس التي لايُعرف إذا كانت نصف ممتلئة أو نصف فارغة”

يقترح البروتستانتي من وجهة نظره الدينية تنظيم مواكب في شوارع البلاد مطالبين بالموت بالطريقة التي قاموا بها من قبل من أجل طلب المطر ..

السيدة موت ترسل الرسائل البنفسجية بايماءة قاتلة، عازف الفيولونسيل يربك موت ويجعلها تعيد حساباتها.
رائع مشهد العازف وهو يتأمل فراشة الموت دون دراية منه بـ موت التي تتأملها من وراءه، في كناية عن امكانية قرب الموت، لأننا لن نحصل على رسائل بنفسجية من الموت ليخبرنا بمجيئه ؛ نتجاهل هذه الحقيقة الحتمية دائما بتصوره بعيدا عنّا، تتخلى السيدة موت عن المنجل وتختار أن (تعيش) مع رمز الحياة هنا عازف الفيولونسيل.

أعجبتني الملاحظات التي يتركها ساراماغو للقارئ بين السطور :
– “لمحبي الاقتضاب وأسلوب الإيجاز والإقتصاد في اللغة” يستدرك ساراماغو بضرورة الإسهاب في البداية لتوضيح الصورة العامة لما حدث بعد إضراب الموت.
– “تساؤل وفضول من يتابع القصة باهتمام موسوس وهاجسي بحثاً عن التناقضات، وزلات، وسهوات، وإنعدام منطق، من أين للسيدة موت عملة لشراء التذاكر ؟! ”
هنا يذكّر القارئ المترصد بأنها دفعت قبل ذلك لسيارة الأجرة من حقيبة أخرجت منها نظارتها الشمسية وكأنه يقول ترفّق بنفسك أيها المتذاكي وحاول الاستمتاع بالقراءة 🙂
كاتب يذرف الدموع لمشاهدة عمله سينمائيا، يخبرك بطريقة عفوية  عن جدية وقيمة ماتقرأه بين يديك لهذا المبدع.

* هنا النسخة الالكترونية من الرواية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s